فخر الدين الرازي

152

تفسير الرازي

عنه فقال : * ( إلا أن يشاء الله ) * والمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى عنه . والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري . فثبت أنه لا يجوز أن يقال المراد بقولنا إلا أن يشاء الله ، الإيمان الاضطراري بل يجب أن يكون المراد منه الإيمان الاختياري ، وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة بالكلية . المسألة الثانية : قال الجبائي قوله تعالى : * ( إلا أن يشاء الله ) * يدل على حدوث مشيئة الله تعالى ، لأنها لو كانت قديمة لم يجز أن يقال ذلك ، كما لا يقال لا يذهب زيد إلى البصرة إلا أن يوحد الله تعالى ، وتقريره ، أنا إذا قلنا : لا يكون كذلك إلا أن يشاء الله فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديماً ، ويلزم من حصول الشرط حصول المشروط ، فيلزم كون الجزاء قديماً . والحس دل على أنه محدث فوجب كون الشرط حادثاً ، وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون المشيئة حادثة . هذا تقرير هذا الكلام . والجواب : أن المشيئة وإن كانت قديمة إلا أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة وهذا القدر يكفي لصحة هذ الكلام ، ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : * ( ولكن أكثرهم يجهلون ) * قال أصحابنا : المراد ، يجهلون بأن الكل من الله وبقضائه وقدره . وقال المعتزلة : المراد ، أنهم جهلوا أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك . قوله تعالى * ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( وكذلك ) * منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء قولان : الأول : أنه منسوق على قوله : * ( وكذلك زينا لكل أمة عملهم ) * أي كما فعلنا ذلك * ( كذلك جعلنا لكل نبي عدواً ) * الثاني : معناه : جعلنا لك عدواً كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله : * ( كذلك ) * عطفاً